حق الشفعة لفائدة الدولة وحقوق الإنسان

حق الشفعة لفائدة الدولة وحقوق الإنسان

بسم الله الرحمان الرحيم

حق الشفعة لفائدة الدولة وحقوق الإنسان
يجد حق الشفعة المقرر لفائدة الدولة أساسه القانوني في مقتضيات المادتين 1
43 و 218 من المدونة العامة للضرائب.
وبالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة 143 نقرأ ما يلي :
“بصرف النظر عن حق المراقبة المنصوص عليه في المادة 217 أدناه، يجوز للوزير المكلف بالمالية أو الشخص الذي يفوض إليه ذلك أن يمارس، لفائدة الدولة، حق الشفعة على العقارات والحقوق العينية العقارية التي تكون محل نقل ملكية رضائي بين الأحياء، بعوض أو بغير عوض، باستثناء الهبات بين الأصول والفروع، إذا بدا له أن ثمن البيع المصرح به أو التصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت، وأن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة لم يتأت الحصول عليه بالمراضاة”.
وبالرجوع إلى البندين III و IV من المادة 218 نقرأ ما يلي :
“III ـ يتسلم المفوت له المنزوعة منه الأملاك خلال الشهر الموالي لتبليغ مقرر الشفعة مبلغ الثمن المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة، بالإضافة إلى ما يلي :
1 ـ واجبات التسجيل المؤداة و الرسوم التي يكون قد تم دفعها إلى المحافظة على الأملاك العقارية؛
2 ـ مبلغ يحسب على أساس خمسة (5) في المائة من الثمن المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة و يمثل بصفة إجمالية تكاليف العقد القانونية والمصاريف.
IV ـ يترتب على مقرر الشفعة المبلغ في الأجل المنصوص عليه في البند I أعلاه حلول الدولة محل المفوت له المنزوعة منه الأملاك فيما يرجع للمنافع و التحملات الخاصة بالعقد ابتداء من يوم نقل الملكية.
وتعتبر منعدمة وكأنها لم تكن جميع الحقوق في العقارات الممارس بشأنها حق الشفعة التي تخلى عنها المفوت له المنزوعة منه الأملاك قبل ممارسة حق الشفعة.
و يشطب عليها إذا سبق إدراجها في الدفاتر العقارية”.
وفي ضوء هذه المقتضيات يمكن القول بأن حق الشفعة لفائدة الدولة امتياز يسمح للإدارة بالحلول محل المفوت إليه العقار أو الحقوق العينية العقارية، عندما تقدر بأن ثمن البيع المصرح به أو التصريح التقديري لقيمة هذه الممتلكات ناقص، وأن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة لم يتأت الحصول عليه بالمراضاة.
وبعبارة أخرى، فحق الشفعة لفائدة الدولة امتياز يخول للإدارة الضريبية تجريد المفوت إليه من ممتلكاته العقارية عندما يمتنع عن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة للقيمة التجارية لتلك الممتلكات وقت التفويت، وذلك مقابل تعويض يتمثل في دفع مبلغ الثمن المصرح به وواجبات التسجيل المؤداة ورسوم المحافظة العقارية في حالة وجودها و 5% من مبلغ الثمن المصرح به.
و لما كان حق الشفعة لفائدة الدولة يمكن الإدارة من تجريد الأفراد من ممتلكاتهم، فإنه سيكون من المشروع التساؤل حول دستوريته في ضوء الفقرتين الأولى و الثالثة من الفصل الخامس عشر من دستور 1996 اللتان تنصان على ما يلي:
“حق الملكية و حرية المبادرة الخاصة مضمونان.
ولا يمكن نزع الملكية إلا في الأحوال و حسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون”.
ويفهم من هذه المقتضيات أنه لا يجوز نزع الملكية إلا بموجب نص قانوني يحدد أحوال وإجراءات نزع الملكية بما لا يتعارض مع ضمان حق الملكية، أي بما يضمن عدم التعسف في تجريد الأفراد من ممتلكاتهم.
غير أن وجود مثل هذا النص القانوني لا يكفي وحده لإضفاء الشرعية على نزع الملكية عن طريق ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة، و إنما لا بد من تخويل المنزوعة أملاكه الحق في الدعوى العادلة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل الرابع عشر من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بما يكفل له الحماية القضائية من كل جور أو تعسف أو خطأ في تطبيق القانون المنظم لممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة.
من هنا تظهر مشروعية طرح السؤال التالي: إلى أي حد يحترم النصان المنظمان لحق الشفعة لفائدة الدولة كلا من الحق في الملكية الخاصة والحق في الدعوى العادلة ؟
للإجابة عن هذا السؤال سأقسم الموضوع إلى مبحثين:
ـ حق الشفعة لفائدة الدولة و الحق في الملكية الخاصة(المبحث الأول)؛
ـ حق الشفعة لفائدة الدولة و الحق في الدعوى العادلة(المبحث الثاني).
المبحث الأول: حق الشفعة لفائدة الدولة والحق في الملكية الخاصة
اهتمت الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان بالنص على مبدأ ضمان حق الملكية الخاصة الذي مؤداه أنه لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً، وهو المبدأ الذي كرسه الدستور المغربي لسنة 1996 بمقتضى فصله الخامس عشر.
ويتضمن الفصل الخامس عشر ثلاث قواعد أساسية:
ـ القاعدة الأولى: تعلن مبدأ احترام الحق في الملكية الخاصة، وهي مضمنة في الفقرة الأولى من الفصل الخامس عشر من الدستور التي تنص على ما يلي:
“حق الملكية و حرية المبادرة الخاصة مضمونان”.
ـ القاعدة الثانية: تعترف للبرلمان بسلطة تنظيم استخدام الممتلكات وفقا للمصلحة العامة، وهي مضمنة في الفقرة الثانية من نفس الفصل، و التي تنص على ما يلي:
“للقانون أن يحد من مداهما و ممارستهما إذا دعت إلى ذلك ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد”.
ـ القاعدة الثالثة: تتعلق بالحرمان من الملكية و تخضعه لبعض الشروط، وهي مضمنة في الفقرة الثالثة من نفس الفصل، والتي تنص على ما يلي:
“ولا يمكن نزع الملكية إلا في الأحوال و حسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون”.
ففي ضوء أي من هذه القواعد الثلاث يتعين التحقق مما إذا كان يوجد تعارض بين حق الشفعة لفائدة الدولة وحق الملكية الخاصة ؟
إجابة عن هذا السؤال يمكن القول بأنه لما كان يترتب على مقرر الشفعة انتقال الملكية من المفوت له المنزوعة منك الأملاك إلى الدولة، فإنه يشكل لا محالة شكلا من أشكال “نزع الملكية” بمفهوم الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور، وليس حالة من حالات تنظيم استخدام الممتلكات وفقا للمصلحة العامة المنظمة بمقتضى الفقرة الثانية من نفس الفصل.
ولما كانت الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر المتعلقة بشروط الحرمان من الممتلكات لا تعدو أن تكون مجرد استثناء وارد على المبدأ العام المنصوص عليه في الفقرة الأولى من نفس الفصل المتعلقة بمبدأ احترام الملكية الخاصة، فإنه يتعين تفسير الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر في ضوء المبدأ العام المكرس بموجب الفقرة الأولى من نفس الفصل.
وعليه، فللتحقق مما إذا كان حق الشفعة لفائدة الدولة يشكل تجريدا تعسفيا للفرد من ممتلكاته، يتعين التثبت مما إذا كانت مقتضيات المادتين 143 و 218 من المدونة العامة للضرائب تتعارضان مع الفقرتين الأولى و الثالثة من الفصل الخامس عشر من دستور 1996، بمعنى هل حق الشفعة كما هو مقرر الآن يخالف المبدأ العام الذي يقضي بضمان احترام الملكية الخاصة ؟ وهل يحترم الشروط الواجب توفرها عند نزع الملكية ؟
المطلب الأول: حق الشفعة لفائدة الدولة و شرط القانونية
بالرجوع إلى الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من دستور 1996 نقرأ ما يلي:
“ولا يمكن نزع الملكية إلا في الأحوال…المنصوص عليها في القانون”.
وقد نص المشرع على أحوال ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة في المادة 143 من المدونة العامة للضرائب، فهل تعد مقتضيات هذه المادة بمثابة “قانون” بمفهوم الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور ؟
للإجابة عن هذا السؤال، يتعين أن نحدد مدلول كلمة “القانون” بمفهوم الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور(الفرع الأول)، قبل أن نبين أن المادة 143 من المدونة العامة للضرائب لا ترقى إلى مرتبة القانون بمفهوم الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور(الفرع الثاني).
الفرع الأول: تحديد المقصود بعدم جواز نزع الملكية إلا بموجب “القانون”
تحتمل الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من دستور 1996 قراءتان:
ـ القراءة الأولى: تعتبر أن توافر الأحوال المنصوص عليها في القانون يجيز للإدارة نزع الملكية، وهذا يعني أنه يجوز للإدارة أن تنزع ملكية شخص بعينه و أن لا تنزع ملكية شخص آخر رغم توافر أحوال نزع الملكية المنصوص عليها في القانون في الحالتين، أي أن توافر الأحوال المنصوص عليها في القانون لا يكفي وحده لتحريك مسطرة نزع الملكية، و إنما هناك أحوال أخرى تحددها الإدارة بكامل الحرية لا بد من توفرها قبل تحريك المسطرة المذكورة. و في ظل هذه القراءة لا يتوفر الفرد على إمكانية التنبؤ بحرمانه من ملكه لأن توفر الأحوال المنصوص عليها في القانون لا يكفي وحده لنزع أملاكه، و إنما هناك أحوال أخرى لا تعلمها إلا الإدارة لا بد من توافرها أيضا لكي تحرك الإدارة مسطرة الشفعة؛
ـ القراءة الثانية: تعتبر أن توافر الأحوال المنصوص عليها في القانون يلزم الإدارة بنزع الملكية، بمعنى أنه يتعين على السلطة التشريعية أن تتولى بنفسها تحديد الأحوال التي تبرر نزع الملكية، وأن لا تتنازل عن ممارسة هذه السلطة كليا أو جزئيا لأي جهة أخرى، و بمجرد توفر هذه الأحوال تكون الإدارة ملزمة بقوة القانون بتحريك مسطرة نزع الملكية، بما يكفل مساواة جميع المواطنين في تحمل الأعباء العامة دون تمييز، و في هذه الحالة، يتوفر الفرد على إمكانية التنبؤ بحرمانه من ملكه، ما دام أن توافر الأحوال المنصوص عليها في القانون يلزم الإدارة بالضرورة بأن تجرده من أملاكه.
و لكي نحدد القراءة الصحيحة لمقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر يجب أن نعرف ما المقصود ب”القانون” بمفهوم هذا النص. فهل القانون هو كل نص صادر عن البرلمان أم هو ذلك النص الصادر عن البرلمان و المتضمن لقاعدة قانونية تتوفر فيها شروط الدقة والتوقعية ؟
في غياب اجتهاد صادر عن المجلس الدستوري المغربي، و في ظل تأكيد ديباجة الدستور على تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، أجد أنه من المناسب الاستئناس باجتهاد المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في هذا الصدد.
وهكذا، فقد اشتقت المحكمة المذكورة من المقطع 2 من الجملة 2 من الفقرة 1 من المادة 1 من البروتوكول رقم 1 الملحق بالاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية، والذي يقضي بأنه “لا يجوز حرمان أي شخص من ممتلكاته إلا في إطار الاحترام الدقيق للشروط المنصوص عليها في القانون والمبادئ العامة للقانون الدولي”، مبدأ مفاده أنه لا يجوز حرمان أي شخص من ممتلكاته إلا بموجب نص يرقى إلى مرتبة القاعدة القانونية التي يتوفر فيها شرطا الدقة والتوقعية.
و معلوم أن النص الذي يتوافر فيه شرطا الدقة والتوقعية هو ذلك النص الواضح الذي يمكن قارئه من فهمه والتنبؤ بالنتائج القانونية المترتبة على ما قد يقوم به من تصرفات في ضوئه.
وفي ضوء هذه الملاحظات، يمكن أن نشتق من مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور، أن السلطة التشريعية هي التي يجب أن تحدد أحوال ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة بنفسها، دون أن تترك أي هامش للسلطة التقديرية للإدارة في هذا المجال، بحيث تكون الإدارة ملزمة بممارسة حق الشفعة بمجرد معاينة توفر هذه الأحوال، لأنه بدون ذلك سيكون التنبؤ بممارسة حق الشفعة أمرا مستحيلا.
وهكذا، نخلص إلى القول بأنه لا يكفي أن يكون النص الذي يحدد الأحوال التي تبيح ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة صادرا عن البرلمان، وإنما يتعين أيضا أن يحدد هذه الأحوال على نحو دقيق وواضح بما لا يدع أي مجال للتعسف أو الانتقائية من قبل الإدارة، و بما يضمن للأفراد القدرة على التنبؤ بنتائج ما قد يقدمون عليه من تصرفات في ضوء أحكامه.
الفرع الثاني: حق الشفعة مقرر بمقتضى نص لا يرقى إلى مرتبة “القانون”
بالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة 143 من المدونة العامة للضرائب نقرأ ما يلي:
“بصرف النظر عن حق المراقبة المنصوص عليه في المادة 217 أدناه، يجوز للوزير المكلف بالمالية…أن يمارس، لفائدة الدولة، حق الشفعة…”.
وهكذا، فعندما تعاين الإدارة الضريبية أن ثمن البيع المصرح به لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت، يكون لها مطلق الحرية في اختيار اللجوء إلى إحدى المسطرتين التاليتين:
ـ مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة المنصوص عليها في المادة 143 من المدونة العامة للضرائب التي يمكن أن تؤدي إلى حرمان الفرد من ممتلكاته، في غياب مسطرة تمكنه من الاطلاع على الأسباب القانونية والواقعية التي تستند إليها الإدارة الضريبية لدعم إدعائها بنقصان الثمن المصرح به ومناقشة موقف الإدارة وإبداء أوجه دفاعه قبل اتخاذ مقرر الشفعة ضده؛
ـ و مسطرة حق المراقبة المنصوص عليها في المادة 217 من المدونة العامة للضرائب التي تلزم الإدارة بسلوك مسطرة لتصحيح ثمن البيع المصرح به تمكن المعني بالأمر من إبداء أوجه دفاعه أمام الإدارة ثم أمام اللجان الضريبية قبل فرض الواجبات في حدود ما أقرته اللجان الضريبية وتحصيلها وفقا للإجراءات المنصوص عليها في مدونة تحصيل الديون العمومية.
وهذا يبين الطابع الانتقائي لحق الشفعة لفائدة الدولة، ذلك أن الإدارة الضريبية يمكن أن تختار ممارسة حق الشفعة ضد شخص معين وأن تختار سلوك مسطرة التصحيح ضد شخص آخر على الرغم من كونها تشك في نقصان ثمن التملك الذي صرح به كل منهما، ولا يورد النص أي ضوابط أو معايير يمكن الاحتكام إليها لمعرفة نطاق تطبيق كلا المسطرتين، وهذا يعني أن الإدارة الضريبية تمارس سلطة تقديرية مطلقة لا رقابة للقضاء عليها في انتقاء الأشخاص الذين تمارس ضدهم حق الشفعة لفائدة الدولة، و بالتالي فهي من ناحية تحرمهم من جميع الضمانات القانونية التي يتمتع بها غيرهم من المفوت إليهم الذين اختارت الإدارة أن تسلك في مواجهتم مسطرة تصحيح الثمن المصرح به، كما أنها من ناحية أخرى تجردهم من ممتلكاتهم ولا تكتفي بفرض و تحصيل الواجبات المفروضة بناء على القيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت.
وعلى الرغم من عدم توفرنا على الإحصائيات المتعلقة بعدد المرات التي أسفر فيها تطبيق مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة في المغرب عن نزع ممتلكات الأفراد، فإن جميع المؤشرات تدل على أن الإدارة الضريبية المغربية لا تجرد المفوت إليهم من ممتلكاتهم إلا في القليل النادر جدا من الحالات، وهكذا، فمنذ إحداث مقرر الشفعة بموجب قانون المالية لسنة 1973 و حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم تسفر مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة عن اتخاذ الإدارة لمقرر الشفعة سوى في حالات لا تتجاوز عدد أصابع اليدين . و بذلك، يكون ضحايا هذه المسطرة قد تحملوا عبئا استثنائيا، لم يتحمله غيرهم ممن تعتقد الإدارة أنهم صرحوا بثمن بيع يقل عن القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت.
وهكذا، يتبين بجلاء أن المادة 143 من المدونة العامة للضرائب تترك ممارسة حق الشفعة للسلطة التقديرية للإدارة الضريبية الشيء الذي يخول لها انتقاء الضحايا بكيفية تعسفية وانتقائية وغير قابلة للتوقع، وبالتالي، فإن المادة 143 من المدونة العامة للضرائب لا تعد بمثابة “قانون” بمفهوم الفقرة الثالثة من الفصل الخامس عشر من الدستور.
المطلب الثاني:حق الشفعة لفائدة الدولة وشرط التناسبية
إذا كانت الفقرة الثانية من الفصل الخامس عشر من الدستور تعتبر أن مجرد التدخل من أجل تنظيم استخدام الممتلكات لا يكون مشروعا إلا إذا دعت إليه ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، أي إذا فرضته دواعي المصلحة العامة، فإن التدخل من أجل الحرمان من الملكية لا يكون مشروعا من باب أولى إلا إذا فرضته ضرورات المصلحة العامة أيضا.
ولما كان هدف حق الشفعة لفائدة الدولة يتمثل في تحسين شروط أداء ضريبة التسجيل كما لاحظت ذلك الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ، فإن مثل هذا الهدف يندرج بامتياز ضمن إطار المصلحة العامة.
غير أنه إذا كان احترام حق الفرد في الملكية الخاصة هو المبدأ العام، فإن الاستثناء المتمثل في الحرمان من الممتلكات لدواعي المصلحة العامة لا يكون مبررا ما لم يكن يراعي التوازن العادل بين ضرورات المصلحة العامة و متطلبات حماية حق الفرد في الملكية الخاصة.
و لا يمكن القول بأن هذا التوازن العادل قد تمت مراعاته، عندما يغيب التناسب بين أهمية الهدف(=المصلحة العامة المستهدفة) و بين خطورة الوسيلة المستعملة من أجل تحقيق هذا الهدف، أي عندما لا يتوفر في الوسيلة المستعملة من أجل تحقيق المصلحة العامة الحد الأدنى الضروري من الحماية ضد التعسف.
و على ذلك فإن الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد هو حول مدى احترام حق الشفعة لفائدة الدولة لشرط التناسب بين الهدف و الوسيلة، هذا التناسب الذي لا تقوم له قائمة عندما يتبين من جهة وجود آليات بديلة تحقق بفعالية الهدف المتوخى من حق الشفعة لفائدة الدولة دون أن تخل بالضمانات الأساسية للملزمين(فرع أول) ومن جهة ثانية عندما ينتفي التعويض العادل عن فقدان ملك مكتسب في غياب نية الغش(فرع ثان).
الفرع الأول: التناسب بين الوسيلة والهدف
ليس هناك من خلاف في أن هدف المشرع من إقرار نظام حق الشفعة لفائدة الدولة يتمثل في تحسين شروط تحصيل ضريبة التسجيل بصفة عامة، وفي ضمان أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت بصفة خاصة(الفقرة الأولى)، غير أن وجود بدائل ناجعة تحقق الهدف المتوخى يجعل اللجوء إلى نظام الشفعة لفائدة الدولة الذي قد يؤدي إلى الحرمان التعسفي لكل مشتر من ملكه حتى لو كان حسن النية بشكل مطلق أمرا غير ضروري من ناحية و مخلا بالتناسب العادل بين الهدف و الوسيلة من ناحية أخرى(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تحسين شروط تحصيل ضريبة التسجيل كهدف لحق الشفعة
بالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة 143 من المدونة العامة للضرائب نقرأ ما يلي:
“…، يجوز للوزير المكلف بالمالية…أن يمارس، لفائدة الدولة، حق الشفعة…إذا بدا له أن ثمن البيع المصرح به أو التصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت، وأن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة لم يتأت الحصول عليه بالمراضاة”.
ويقصد بعبارة “الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة” المبالغ المفروضة بناء على تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت.
وهنا يطرح السؤال التالي: من هو المستهدف المباشر بحق الشفعة لفائدة الدولة ؟ هل يستهدف حق الشفعة حصرا المشتري سيء النية الذي تواطأ مع البائع على تضمين عقد البيع ثمنا يقل عن الثمن المتفق عليه و الذي دفع جزءا من الثمن المتفق عليه للبائع من تحت الطاولة، أي المشتري الذي يوجد في حالة ما يعرف ب”إخفاء الثمن” ؟ أم أن حق الشفعة لفائدة الدولة يستهدف كل مشتر أنجز صفقة مربحة، أي صفقة يقل ثمن البيع فيها عن ثمن تفويت ممتلكات من نفس النوع و الذي تم في ظروف مماثلة، حتى و لو كان الثمن المضمن في العقد هو نفسه الثمن المتفق عليه بين طرفي العقد، أي المشتري الذي يوجد في حالة ما يعرف ب”نقصان الثمن” ؟
تجيبنا الفقرة الأولى من المادة 143 من المدونة العامة للضرائب بما يلي:
“…يجوز للوزير المكلف بالمالية أو الشخص الذي يفوض إليه ذلك أن يمارس، لفائدة الدولة، حق الشفعة…إذا بدا له أن ثمن البيع المصرح به…لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت،…”.
يفهم من هذا النص أن حق الشفعة لفائدة الدولة يستهدف كل مشتر صرح بثمن شراء يقل عن القيمة التجارية للعقار وقت التفويت، فما المقصود بالقيمة التجارية للعقار وقت التفويت ؟
أورد السيد وزير المالية في معرض الجواب عن هذا السؤال ما مفاده أنه انطلاقا من الأثمنة الرائجة في كل منطقة و المستمدة من عقود البيع المدلى بها من قبل الملزمين بالضريبة، تحدد الإدارة متوسط الأسعار في كل منطقة على حدة في خرائط ميدانية يتم تحيينها دوريا.
و أضاف أنه من الناحية العملية، فإن العقارات وإن كانت متواجدة في نفس الحي مثلا، فإن المواد المستعملة في البناء والموقع الذي تحتله من الشارع الرئيسي وعدد الواجهات والمساحة المغطاة و مدى الرواج الاقتصادي في المنطقة يتغير من عقار لآخر.
لكي يخلص في الأخير إلى أنه يتعين عدم التطبيق الأعمى للقيم الرائجة في نفس الحي بموجب خرائط جامدة، حتى لا يقع الإضرار بالملزمين.
و هكذا، فإن عدم تطابق الثمن المصرح به مع القيمة المقدرة من قبل الإدارة للملك العقاري المفوت تؤدي إلى ممارسة حق الشفعة، فهذا الأخير لا يهدف إلى زجر الغش الضريبي، وإنما يلجأ إليه حتى عندما يكون الثمن المصرح به يساوي الثمن المدفوع فعليا، وبالتالي، فهو يرمي إلى الحيلولة دون عدم فرض واجبات تسجيل أكبر، وذلك بصرف النظر عن حسن أو سوء نية المفوت إليه، ما دام أن نقصان الثمن يمكن أن يفسر بأسباب غير خطيرة، مثل الحسنى و الجهل والاستعجال.
غير أن ما تجدر الإشارة إليه هو أن مقدار واجبات التسجيل تختلف اختلافا كبيرا حسب ما إذا كانت الإدارة تعتقد أنها أمام “مشتر حسن النية” أو أمام “مشتر سيء النية”.
ففي الحالة الأولى تقتصر الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة على الواجبات التكميلية و غرامة التأخير بنسبة 15% من مبلغ الواجبات التكميلية إضافة إلى فوائد التأخير.
أما في الحالة الثانية فتشمل الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة على الواجبات التكميلية و غرامة سوء النية بنسبة 100% من مبلغ الواجبات التكميلية إضافة إلى فوائد التأخير.
و تبين الممارسة الإدارية في هذا المجال، أن تقدير حسن أو سوء نية المشتري يكون في ضوء الفرق بين ثمن البيع المصرح به و بين تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت، فكلما كان هذا الفرق كبيرا كلما مالت الإدارة إلى اعتبار المشتري سيء النية.
و يلعب التفاوض والصلح دورا كبيرا في الحد بشكل ملموس من عدد الحالات التي تصل فيها مسطرة الشفعة إلى تجريد الملزم من ممتلكاته، ففي الغالبية العظمى من الحالات يبدي الملزم استعداده للأداء الحبي للواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة مقابل تخفيض متفق عليه، يضمن في عقد الصلح الذي يضع حدا نهائيا لكل منازعة يمكن أن يتقدم بها الملزم لاحقا.
و يمكن للإدارة أن تواجه البائع بالصلح المبرم بينها و بين المشتري استنادا إلى مقتضيات الفقرة الأولى من البند I من المادة 65 من المدونة العامة للضرائب التي تنص على ما يلي:
“يراد بثمن التفويت ثمن البيع أو القيمة التقديرية المصرح أو المعترف بها من لدن الطرفين أو أحدهمــا في العقد أو القيمة المحددة طبقا للمادة 224 من الكتاب الثاني”.
أما إذا امتنع المشتري عن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة، فتقدم الإدارة آنذاك على اتخاذ مقرر الشفعة.
و معلوم أن امتناع المشتري عن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة، لا يمكن أن يفسر في جميع الأحوال برغبته في التملص من الوفاء بالتزاماته الضريبية بدون وجه حق، وإنما يمكن أن يفسر بأسباب غير خطيرة مثل العجز عن الوفاء الفوري بالمبالغ المطلوبة أو اقتناعه بأن تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت مبالغ فيه ولا يستند على أي أساس و رغبته في المنازعة في هذا التقدير.
الفقرة الثانية: وجود بدائل كافية لحق الشفعة لفائدة الدولة
توجد في التشريع المغربي آليات ناجعة:
ـ لمعالجة مشكلة نقصان الثمن عند توفر الإدارة الضريبية على أسباب جدية للشك في وجوده(أولا)؛
ـ ولضمان الوفاء بالواجبات التكميلية و الغرامات و فوائد التأخير و صوائر المتابعات في حالة امتناع المشتري عن الأداء الحبي(ثانيا)؛
أولا: وجود بديل كاف فيما يخص تقدير الواجبات
يمكن للإدارة الضريبية عن طريق ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة أن تحل محل كل مشتر حتى وإن كان حسن النية بشكل مطلق، وذلك فقط من أجل إجباره على أداء الواجبات بناء على تقديرها للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت، فما الذي يضمن أن تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت لن يشوبه أي خطأ أو تعسف ؟
في إطار مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة، لا يتمكن الملزم من معرفة الأسباب الواقعية التي تؤسس عليها الإدارة تقديرها للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت، و لا يتمكن بالتالي من إبداء أوجه دفاعه وهو على بينة من الأمر سواء قبل أو بعد اتخاذ مقرر الشفعة.
بينما في إطار مسطرة المراقبة العادية، إذا كانت مسطرة التصحيح لا تمكن الملزم من معرفة الأسباب الواقعية التي يقوم عليها تقدير الإدارة ولا مناقشتها وهو على بينة من الأمر، بالنظر إلى استقرار الاجتهاد القضائي على أن المشرع لا يلزم الإدارة بتعليل رسالة تبليغ التصحيح تعليلا كافيا، فإنه مع ذلك يكون بإمكان الملزم إذا ما أحسن استعمال مسطرة الطعن أمام اللجان الضريبية إجبار الإدارة على أن تطلعه على عناصر المقارنة التي بنت عليها تقديرها للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت حتى يتمكن من مناقشتها و تفنيدها، وفي جميع الأحوال، حتى لو فشل الملزم في ممارسة حقوقه في الدفاع كاملة أمام اللجان، فإن الاجتهاد القضائي مستقر على إلزام الإدارة بالكشف عن عناصر المقارنة التي بحوزتها وتمكين الملزم من مناقشتها وهو على بينة تامة من الأمر، وذلك تحت طائلة إسقاط الواجبات التكميلية و غرامة و فوائد التأخير.
وهكذا، نخلص إلى القول بأن مسطرة المراقبة العادية لأثمان البيع المصرح بها كافية جدا لضمان فرض الواجبات التكميلية والغرامات وفوائد التأخير، في حالة توفر الإدارة على أسباب جدية للشك في مطابقة ثمن البيع المصرح به للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت.
ثانيا: وجود بديل كاف فيما يخص تحصيل الواجبات
في إطار مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة، يؤدي عدم أداء الملزم للواجبات وفقا لتقدير الإدارة بالمراضاة إلى اتخاذ مقرر الشفعة الذي يجرد الملزم من ممتلكاته.
أما في إطار مسطرة تحصيل الديون العمومية، يؤدي امتناع الملزم عن الأداء الحبي للواجبات الضريبية إلى إجباره على أداء الواجبات إضافة إلى غرامة و فوائد التأخير و صوائر المتابعات، عن طريق حجز وبيع ممتلكاته واستيفاء المبالغ المطلوبة من ثمنها، بل و إكراهه بدنيا عند الاقتضاء.
و في الحالة الخاصة لمشتري العقار، يتوفر المشتري على ممتلكات تشكل الضمان العام لدائنيه، وفي مقدمتهم الإدارة الضريبية، وبالتالي، لا نكون مطلقا أمام فرضية عدم توفر الملزم على ممتلكات ظاهرة يمكن الحجز عليها و بيعها واستيفاء مبلغ الواجبات الضريبية من ثمنها، ومعلوم أن مشكلة تحصيل الديون العمومية لا تطرح إلا عند تحقق فرضية انعدام الضمان العام، فآنذاك فقط يواجه القابض وضعية يصعب أو يستحيل معها تحصيل الديون العمومية.
و في الحقيقة، لا يوجد أي خطر يهدد حقوق الخزينة و يتعذر التصدي له بفعالية عن طريق استعمال امتيازات وسلطات الإدارة “العادية” المنصوص عليها في مدونة تحصيل الديون العمومية، ذلك أنه يمكن للإدارة عند الاقتضاء إجراء الحجز على العقار حتى قبل فرض الواجبات التكميلية والغرامات وفوائد التأخير، وبعد فرض الواجبات الضريبية وامتناع الملزم عن أدائها يمكن للإدارة بيع المحجوز واستيفاء الواجبات المطلوبة من ثمنه.
وهكذا، نخلص إلى القول بأنه في حالة امتناع المشتري عن الوفاء الطوعي بالواجبات التكميلية والغرامات وفوائد التأخير طوعا، تشكل الامتيازات والسلطات المخولة للإدارة الضريبية بموجب مدونة تحصيل الديون العمومية بديلا كافيا وفعالا لضمان تحصيل المبالغ المطلوبة.
الفرع الثاني: تعويض مجحف للمنزوعة أملاكه
إن التعويض الذي يفترض أن يحصل عليه المفوت له المنزوعة أملاكه في إطار مسطرة الشفعة لفائدة الدولة مجحف بامتياز، ليس فقط من منظور ميكانيزمات تقدير مبلغه(الفقرة الأولى)، وإنما أيضا بسبب انعدام أي جزاء على عدم أداء مبلغ التعويض داخل الأجل القانوني(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تقدير مجحف لمبلغ التعويض
لكي نبين الطابع المجحف للتعويض الذي يحصل عليه المشتري المنزوعة أملاكه، سنقارن بين التشريع الفرنسي و بين المدونة العامة للضرائب المغربية فيما يخص تقدير مبلغ التعويض، قبل أن نعرض لرأي المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في التعويض الذي يمنحه المشرع الفرنسي.
وهكذا، ففي فرنسا كان المشتري يحصل على الثمن المصرح به إضافة إلى عشره، أما في المغرب، فلا يحصل المشتري سوى على ثمن البيع المصرح به.
زد على ذلك، أنه في فرنسا، كان المشتري يحصل على تكاليف العقد القانونية والمصاريف المثبتة كاملة، أما في المغرب، فقد قدر المشرع تكاليف العقد القانونية و المصاريف في نسبة جزافية لا تتعدى 5% من الثمن المصرح به، علما أن الفقرة الثانية من البند II من المادة 65 من المدونة العامة للضرائب قدرت جزافيا تكاليف العقد القانونية و المصاريف في نسبة 15% من ثمن التملك ما عدا إذا أثبت الخاضع للضريبة أن المصاريف المذكورة تقدر بمبلغ أعلى عندما يتعلق الأمر بفرض الضريبة على الأرباح العقارية على من قام بتفويت عقاره طوعا أو جبرا، وهذا يبين أن المشرع في المدونة العامة للضرائب في حالة ممارسة حق الشفعة ضد المشتري، لم يكتف فقط بتقدير ضعيف جدا للنسبة الجزافية التي تمثل تكاليف العقد القانونية والمصاريف، و إنما حرمه أيضا من حقه في الحصول على مبلغ أعلى في حالة إثباته أن المصاريف المذكورة تقدر بمبلغ أعلى.
إضافة إلى كل ذلك، ففي فرنسا، كان المشتري يسترد المبالغ التي يستطيع أن يثبت أنه تحملها قبل الشفعة، أما في المغرب، فالمدونة العامة للضرائب تحرمه من هذا الحق.
وعلى الرغم من كون المشتري الفرنسي كان محظوظا بالمقارنة مع نظيره في المغرب فيما يخص مبلغ التعويض، إلا أن ذلك لم يمنع المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان من تأكيد أن”مجرد دفع الثمن المؤدى ـ مضافا إليه 10% ـ ومصاريف العقد و كلفته المشروعة لا يمكن أن يكفي لتعويض فقدان ملك مكتسب دون نية الغش” .
الفقرة الثانية: انعدام ضمانات أداء مبلغ التعويض داخل الأجل القانوني
حسب الفقرة الأولى من البند IV من المادة 222 من المدونة العامة للضرائب، يقبض المفوت له المنزوعة منه الأملاك خلال الشهر الموالي لتبليغ مقرر الشفعة مبلغ التعويض، وبالرجوع إلى البند V من نفس المادة ، يتبين أن الدولة تحل محل المفوت له المنزوعة منه الأملاك فيما يرجع للمنافع و التحملات الخاصة بالعقد ابتداء من يوم نقل الملكية، بمجرد تبليغ مقرر الشفعة داخل الأجل القانوني، لكن ماذا لو بلغت الإدارة الضريبية مقرر الشفعة داخل الأجل القانوني ثم ماطلت في دفع مبلغ التعويض ؟
تجيبنا الفقرة الثانية من البند IV من المادة 220 من المدونة العامة للضرائب التي تنص على ما يلي:
“وفي حالة عدم الأداء داخل الأجل المعين، يترتب بحكم القانون لفائدة المفوت له المنزوعة منه الأملاك، وبمجرد انصرام الأجل المذكور، فوائد محسوبة على أساس المقدار القانوني المعمول به في القضايا المدنية”.
بمعنى أن المفوت له المنزوعة منه الأملاك بمجرد تبليغ مقرر الشفعة عمليا لا يفقد فقط أملاكه، وإنما من المحتمل جدا أيضا أن لا يقبض مبلغ التعويض طيلة فترة زمنية لا يعلم مدتها إلا الله، فلا هو يحتفظ بحيازة أملاكه ولا هو يسترد أمواله التي دفعها مقابل تملك العقار، علما أن الإدارة نفسها تؤكد بأن ثمن التملك المصرح به زهيد مقارنة إلى الأثمنة التي كانت سائدة في السوق في تاريخ التفويت.
و في هذه الحالة سيكون وضعه أسوء من وضع المالك الذي انتزعت منه ملكيته بموجب قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، لأنه بالرجوع إلى الفصل الثامن عشر من القانون المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة و بالاحتلال المؤقت نقرأ ما يلي:
“و يودع نازع الملكية كذلك لدى المحكمة المذكورة التي تبت في الأمر هذه المرة في شكل محكمة للمستعجلات طلبا لأجل الحكم له بحيازة العقار مقابل إيداع أو دفع مبلغ التعويض المقترح”.
بمعنى أنه في حالة احتلال الملك من طرف نازع الملكية قبل إيداع مبلغ التعويض المقترح في صندوق المحكمة أو دفعه للمالك مباشرة، والحصول على إذن قاضي المستعجلات بحيازة العقار، يمكن للمالك المطالبة بالتعويض عن الاعتداء المادي المتمثل في احتلال العقار بدون موجب من القانون، أما المفوت له المنزوعة أملاكه في إطار حق الشفعة لفائدة الدولة الذي فقد حيازة عقاره و لم يدفع له مبلغ التعويض فليس أمامه سوى الانتظار، و هكذا، فلا توجد أية ضمانات تحول دون أن ينقلب حق الشفعة لفائدة الدولة إلى مصادرة فعلية لأملاك المفوت له المنزوعة منه الأملاك.
و تبين الممارسة، أنه في بعض حالات اتخاذ مقرر الشفعة كان المنزوعة أملاكه يضطر لانتظار قبض مبلغ التعويض لعقود طويلة.
ويتعدى أثر مقرر الشفعة المنزوعة أملاكه لكي يطال الأغيار، ذلك أنه بالرجوع إلى البند IV من المادة 218 نقرأ ما يلي :
“IV ـ يترتب على مقرر الشفعة المبلغ في الأجل المنصوص عليه في البند I أعلاه حلول الدولة محل المفوت له المنزوعة منه الأملاك فيما يرجع للمنافع و التحملات الخاصة بالعقد ابتداء من يوم نقل الملكية.
وتعتبر منعدمة وكأنها لم تكن جميع الحقوق في العقارات الممارس بشأنها حق الشفعة التي تخلى عنها المفوت له المنزوعة منه الأملاك قبل ممارسة حق الشفعة.
و يشطب عليها إذا سبق إدراجها في الدفاتر العقارية”.
وعليه، فإن المماطلة في دفع مبلغ التعويض لا يضر فقط بالمنزوعة أملاكه، و إنما يضر أيضا بمصالح البنوك التي تمنح قروضا من أجل شراء العقار و التي تعول على الرهن الرسمي العقاري الذي يقيد في السجل العقاري فور انتقال ملكية العقار إلى المفوت إليه ضمانا لسداد الدين، ذلك أنها ستفاجأ بشطب الرهن الرسمي الذي يثقل العقار، وحتى لو بادرت إلى مسطرة حجز ما للمدين لدى الغير قصد استيفاء مبلغ القرض من مبلغ التعويض، ستجد نفسها أمام صعوبات التنفيذ الناتجة عن مماطلة الدولة في دفع مبلغ التعويض، و هو الأمر الذي يزعزع ثقة البنوك و يهدد بإفشال سياسات الدولة في مجال السكن الاجتماعي.
المبحث الثاني: حق الشفعة لفائدة الدولة و الحق في الدعوى العادلة
في المغرب، على غرار ما هو عليه الحال في فرنسا و تونس، يتمتع المنزوعة أملاكه في إطار مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة بالحق في الدعوى(المطلب الأول). غير أن مجرد الاعتراف للمنزوعة أملاكه بالحق في الدعوى لا يكفي للقول بشرعية حق الشفعة لفائدة الدولة من منظور الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من العهد الخاص للحقوق المدنية والسياسية التي تعترف لكل فرد بالحق في أن تكون قضيته محل نظر منصف، أي بالحق في الدعوى العادلة(المطلب الثاني).
المطلب الأول: حق الشفعة لفائدة الدولة و الحق في الدعوى
قبلت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى الطعن من أجل تجاوز السلطة ضد مقرر الشفعة في قضية السيد صالح الحسوني ، مما يعني أنها اعتبرت أن الأمر يتعلق بمنازعة ذات طبيعة إدارية، و هو الحل الذي انتهت إليه المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في حكمها المؤرخ في 04/11/2009 الذي قضت في منطوقه برد الدفع بعدم الاختصاص و التصريح باختصاصها نوعيا للبت في طلب إلغاء مقرر الشفعة . و هو الحل الذي أقرته المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها المؤرخ في 01/07/2010 عندما صرحت بقبولها شكلا للطعن في مقرر الشفعة لفائدة الدولة . و هو الحل الذي سار عليه القضاء الإداري التونسي . وذلك خلافا لما هو عليه الحال في فرنسا، حيث يدخل الطعن في قرار ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة في نطاق اختصاص المحاكم العادية، حيث صرح مجلس الدولة الفرنسي في قراره المؤرخ في 22/12/1950 بعدم الاختصاص “بالنظر إلى أن الإمكانية المخولة للإدارة الضريبية بممارسة حق الشفعة على العقار المفوت تشكل مساسا خطيرا بحق الملكية،…فإن المحاكم العادية…هي التي يعود إليها اختصاص البت في المنازعات المتعلقة بحق الشفعة”، كما كانت المحاكم العادية تقبل النظر في المنازعة في قرار الشفعة.
وإذا كان القضاء الإداري في ظل القانون الوضعي المغربي هو الجهة المختصة نوعيا بلا جدال في البت في المنازعة في قانونية مقرر الشفعة، فيبقى أن نحدد طبيعة هذه المنازعة: هل يتعلق الأمر بطعن من أجل تجاوز السلطة أم بطعن من طعون القضاء الشامل ؟
لقد سبقت الإشارة إلى أنه قبل إحداث المحاكم الإدارية، عندما كانت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تبت كدرجة ابتدائية ونهائية في الطعن من أجل تجاوز السلطة، لم تتردد الغرفة الإدارية في قبول الطعن من أجل تجاوز السلطة ضد مقرر الشفعة في قضية السيد صالح الحسوني . غير أنه بعد إحداث المحاكم الإدارية، تضاربت آراء هذه المحاكم بشأن تحديد طبيعة المنازعة في قانونية مقرر الشفعة لفائدة الدولة.
وهكذا، بالرجوع إلى حيثيات حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء المؤرخ في 04/11/2009 نقرأ ما يلي:
“وحيث دفع المحافظ على الأملاك العقارية بعدم اختصاص هذه المحكمة للبت نوعيا في الطلب.
وحيث إنه بالرجوع إلى وثائق الملف تبين للمحكمة كون الطلب ينصب على بطلان مقرر الشفعة المتخذ من طرف إدارة الضرائب بتاريخ 08/12/2008 طبقا لمقتضيات المادتين 143 و218 من المدونة العامة للضرائب والدفع بتقدم فرض الواجبات التكميلية لرسوم التسجيل.
وحيث إن المنازعة في تطبيق مقتضيات المدونة العامة للضرائب تدخل ضمن اختصاصات المحكمة الإدارية بموجب المادة الثامنة من القانون 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية و هو اختصاص أصيل لها مما يتعين معه التصريح برد الدفع المثار والتصريح باختصاص هذه المحكمة نوعيا للبت في الطلب”.
ويستفاد من هذه الحيثيات، أن المحكمة الإدارية بالبيضاء و هي تبت في الدفع بعدم اختصاصها النوعي بالنظر في المنازعة في قانونية مقرر الشفعة لفائدة الدولة، قد تصدت ضمنيا للحسم في مسألة معرفة طبيعة الدعوى، ذلك أنها لم تعلل تصريحها باختصاصها نوعيا بالبت في هذه المنازعة استنادا إلى مقتضيات الفقرة الأولى من المادة الثامنة من قانون المحاكم الإدارية التي تنص على ما يلي:
“تختص المحاكم الإدارية، مع مراعاة أحكام المادتين 9 و 11 من هذا القانون، بالبت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة…”.
وإنما عللت ما انتهت إليه من انعقاد اختصاصها النوعي بالبت في الطعن في مقرر الشفعة لفائدة الدولة بالاستناد إلى مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الثامنة من قانون المحاكم الإدارية التي تنص على ما يلي:
“وتختص المحاكم الإدارية كذلك بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة…بالانتخابات والضرائب…”.
ومعلوم أن اختصاص المحاكم الإدارية فيما يتعلق بالضرائب لا تحكمه مقتضيات الباب الثالث من قانون المحاكم الإدارية المتعلق بطلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وإنما يندرج ضمن مقتضيات الباب الخامس من قانون المحاكم الإدارية، وبالتالي، تكون المحكمة قد حسمت ضمنيا في طبيعة الدعوى معتبرة أنها تندرج في إطار طعون القضاء الشامل و ليس في إطار طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
وفي المقابل، اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة بأن المنازعة في قانونية مقرر الشفعة لفائدة الدولة تندرج ضمن طلبات الإلغاء من أجل تجاوز السلطة. وهكذا نقرأ في حيثيات حكمها المؤرخ في 01/07/2010 ما يلي:
“وحيث إن المحكمة و في إطار سلطتها التقديرية في تكييف موضوع المنازعة و حسما منها للنقاش الدائر بهذا الخصوص، فقد تبين لها في ضوء مختلف المعطيات السالفة الذكر، وكذا النصوص القانونية الضابطة أن المشرع المغربي في مدونة الضرائب منح الإدارة آليتين أساسيتين لمراقبة الأثمنة المصرح بها في العقود، الأولى تتعلق بحق المراقبة المنصوص عليها في المواد 217 وما يليه من المدونة العامة للضرائب و الذي يعطي الإدارة الحق في مراقبة و تصحيح الأسس الضريبية استنادا إلى مسطرة تواجهية بين الإدارة و الملزم وفق مساطر معينة و الثانية تتمثل في تخويلها الحق في ممارسة حق الشفعة طبقا لما تنص عليه المادة 143 من المدونة العامة للضرائب، إلا أنه إذا كان المشرع قد حدد المقتضيات القانونية و المسطرية الواجبة الإتباع بالنسبة لكل من الإدارة و الملزم في حالة استعمال الإدارة حق المراقبة عبر آلية التصحيح و المراجعة و التي تنتهي بإمكانية اللجوء إلى المنازعة أمام القضاء فإنه على العكس من ذلك فبالنسبة لممارسة حق الشفعة يتضح أن المشرع حدد المسطرة الواجبة الإتباع وفقا لمقتضيات المادة 218 من المدونة العامة للضرائب، إلا أنه لم يحدد الآلية القانونية الواجبة الإتباع للمنازعة في قرار الشفعة المتخذ من طرف الإدارة، لكن ما دام الأمر يتعلق بقرار إداري نافذ صادر عن سلطة إدارية، و من شأنه التأثير على المركز القانوني للمعني به، فإنه تبقى له صلاحية الطعن فيه بالإلغاء في إطار القواعد العامة الضابطة للطعن في القرارات الإدارية بشكل عام استنادا إلى مقتضيات قانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية ، وبالتالي، يبقى من حق الشركة الطاعنة المنازعة فيه عن طريق دعوى الإلغاء وأن تقديمها لدعواها وفقا للوقائع الواردة في المقال و الوسائل المعتمدة يجعل الطلب الرامي إلى إلغاء قرار الشفعة مندرجا في إطار دعوى الإلغاء استنادا إلى عيوب المشروعية الواردة في عريضة الطعن.
وحيث إنه بخصوص الشق من الطلب الوارد على سبيل الاحتياط ، والرامي إلى المنازعة في المبلغ الواجب إرجاعه للشركة المدعية في حالة الحكم برفض الطعن بالإلغاء في قرار الشفعة، يبقى بحسب طبيعته و الآثار المترتبة عنه سواء من حيث رفضه أو الاستجابة له طلبا مندرجا ضمن دعاوى القضاء الشامل”.
ويستفاد من حيثيات هذا الحكم أن المحكمة تعتقد بوجود طريقين للطعن في قرار الشفعة لفائدة الدولة: يتمثل أولهما طلب إلغاء قرار الشفعة الذي يندرج في إطار طلبات الإلغاء من أجل تجاوز السلطة و الثاني في المنازعة في المبلغ الواجب إرجاعه للشركة المدعية في حالة الحكم برفض الطعن بالإلغاء في قرار الشفعة.
من جهتي، لا أتفق مع المحكمة الإدارية بالدار البيضاء التي صنفت الطعن في قانونية قرار الشفعة لفائدة الدولة ضمن طعون القضاء الشامل المنظمة بموجب الفقرة الثانية من المادة الثامنة والمواد من 28 إلى 36 من قانون المحاكم الإدارية، لأنه ـ و كما لاحظت المحكمة الإدارية بوجدة ذلك عن صواب ـ يستجمع قرار الشفعة لفائدة الدولة كافة شروط القرار الإداري النافذ الصادر عن سلطة إدارية و المؤثر على المركز القانوني للمعني به، وبالتالي، يتعين الطعن فيه وفقا لمسطرة الشريعة العامة المتمثلة في طلب الإلغاء من أجل تجاوز السلطة، وذلك وفقا لمقتضيات المادة 20 من قانون المحاكم الإدارية التي تنص على ما يلي:
“كل قرار إداري صدر من جهة مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو لمخالفة القانون، يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية المختصة”.
و لا يمكن الاعتراض على هذا الحل استنادا إلى مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 23 من قانون المحاكم الإدارية التي تنص على ما يلي:
“لا يقبل الطلب الهادف إلى إلغاء قرارات إدارية إذا كان في وسع المعنيين بالأمر أن يطالبوا بما يدعونه من حقوق بطريق الطعن العادي أمام القضاء الشامل”.
ذلك أن المشرع لم ينظم مسطرة خاصة للمنازعة في قانونية قرار الشفعة لفائدة الدولة سواء في قانون المحاكم الإدارية أو في المدونة العامة للضرائب، وبالتالي، فلا يبقى أمام الطاعن من طريق آخر للطعن سوى مسطرة الشريعة العامة للمنازعة في قانونية القرارات الإدارية.
ولا يمكن الاعتراض على هذا الحل، استنادا إلى أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تدرج الطعن في الضريبة ضمن طعون القضاء الشامل حتى عندما يغفل المشرع تنظيم مسطرة خاصة للمنازعة في الضريبة، لأن هذا الحل من ناحية لا تطبقه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى إلا عندما يتعلق الأمر بمنازعة في قانونية الضريبة و لا تطبقه مطلقا عندما يتعلق الأمر بمنازعة في قانونية قرارات الإدارة الضريبية الأخرى. و معلوم أنه عندما يتعلق الأمر بالمنازعة في قانونية قرار الشفعة لفائدة الدولة لا نكون أمام منازعة في قانونية الضريبة، ما دام أن الإدارة الضريبية لم تفرض أية ضريبة يمكن أن تكون محلا للنزاع .
والطريف أن المحكمة الإدارية بوجدة تسوق في حيثيات حكمها المشار إليها أعلاه الحجج المدعمة للأطروحة التي مفادها أن المنازعة في قانونية قرار الشفعة لفائدة الدولة تندرج ضمن طلبات الإلغاء من أجل تجاوز السلطة، لكي تنتهي في الأخير إلى القول بأن المنازعة في المبلغ الواجب إرجاعه للشركة المدعية في حالة الحكم برفض الطعن بالإلغاء في قرار الشفعة إنما تندرج في إطار دعوى القضاء الشامل. علما أن هذا الطلب متناقض مع ذاته لأنه لا يمكن رفض طلب إلغاء مقرر الشفعة إذا ثبت للمحكمة أن الإدارة أخطأت في تحديد المبلغ الواجب إرجاعه إلى الطاعن، هذا من جهة، و من جهة أخرى، لأن المشرع لم ينظم أي مسطرة خاصة للمنازعة في قرار الشفعة، و لا يبقى من طريق آخر للطعن في قانونية هذا القرار سوى طريق دعوى الإلغاء من أجل تجاوز السلطة، وذلك وفقا لما سبق أن فصلناه أعلاه.
المطلب الثاني: حق الشفعة لفائدة الدولة و الحق في عدالة الدعوى
بالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من العهد الخاص للحقوق المدنية و السياسية نقرأ ما يلي:
“1. الناس جميعا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون.الخ…”.
ومن المتفق عليه فقها و قضاء، أن الحق في الدعوى العادلة يلزم بمنح كل طرف إمكانية معقولة لعرض قضيته في ظل شروط لا تجعله في وضع يحرم فيه من بعض حقوقه على نحو واضح بالمقارنة مع خصمه . وبالتالي، فالطابع العادل للدعوى يتحدد في ضوء نوعية الرقابة التي يمارسها قاضي تجاوز السلطة على مقرر الشفعة.
وهكذا، فقد جرى العمل على أن تكتفي الإدارة بتضمين مقرر الشفعة إشارة إلى أنها اتخذته استنادا إلى مقتضيات المادتين 143 و 218 من المدونة العامة للضرائب لما تبين لها وجود نقصان كبير في الثمن المصرح به، دون أن تكلف نفسها مشقة تعليل هذا المقرر تعليلا كافيا يمكن المنزوعة أملاكه من معرفة الأسباب القانونية و الواقعية الداعية إلى اتخاذه بما يسمح له بممارسة حقه في الطعن و هو على بينة تامة من أمره.
وقد استقر قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى على مبدأ عدم إجبارية تعليل المقررات الإدارية في غياب نص صريح. وبالتالي، فقبل إحداث قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية، لم تكن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تلزم الإدارة الضريبية بالتعليل الكافي لمقرر الشفعة من خلال تضمينه الأسباب القانونية والواقعية الداعية إلى اتخاذه في صلبه.
وإذا كانت مقتضيات الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لا تتعارض مع مبدأ عدم إجبارية تعليل المقررات الإدارية في غياب نص صريح، بل ولا تؤدي إلى القول بضرورة إلزام الإدارة الضريبية بأن تفصح عن الأسباب القانونية والواقعية التي تدعم مزاعمها بشأن نقصان الثمن المصرح به أثناء سير الدعوى، فإنها في المقابل تلزم القاضي بأن يحقق في مزاعم نقصان ثمن البيع المصرح به بناء على طلب المنزوعة أملاكه، و أن يسمح لهذا الأخير بإثبات أن الثمن المتفق عليه بين الأطراف يطابق القيمة التجارية الحقيقية للملك وقت التفويت، حتى لا يحرم الطاعن من كل إمكانية لتقديم منازعة معقولة في تقديرات الإدارة الضريبية.
وللتحقق مما إذا كانت الرقابة القضائية على مقرر الشفعة لفائدة الدولة في المغرب تحترم معايير الدعوى العادلة كما هي مفصلة أعلاه سيكون من المناسب أن نميز بين مرحلة ما قبل دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ(الفرع الأول) و بين مرحلة ما بعد دخول هذا القانون حيز النفاذ(الفرع الثاني).
الفرع الأول: مرحلة ما قبل دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ
يبدو لي من المناسب فيما يخص نطاق الرقابة القضائية على قرار ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة التطرق أولا لتجربة القضاء الفرنسي(الفقرة الأولى) قبل الانتقال إلى دراسة تجربة القضاء المغربي(الفقرة الثانية)، لكي نبرز أن الاختلاف في الجهة القضائية المختصة لم يحل دون وجود تشابه كبير بين التجربتين فيما يخص نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة.
الفقرة الأولى: نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة في فرنسا
في البداية، اقتصرت المحاكم العادية في فرنسا على مراقبة قانونية قرار الشفعة من حيث الشكل فقط ، وفيما بعد، عمقت المحاكم العادية مراقبتها بحيث أصبحت تتحقق مما إذا كان قرار الشفعة يرمي إلى تحقيق هدف المضاربة ومما إذا كان يكشف عن تحريف للمسطرة .
وتبين التجربة الفرنسية أنه طيلة الفترة الممتدة بين 31/12/1941 تاريخ إحداث حق الشفعة لفائدة الدولة لأول مرة في فرنسا وبين 16/06/1987 تاريخ صدور أول قرار يتعلق بحق الشفعة لفائدة الدولة بعد دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز التنفيذ، أي خلال ما يناهز 46 سنة، استقرت محكمة النقض الفرنسية على القول بأنه لا يمكن للقاضي أن يراقب إدعاء الإدارة بنقصان ثمن البيع المصرح به، بالنظر إلى ما للإدارة من سلطة تقديرية مطلقة في هذا المجال.
وهكذا، فقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في قرارها المؤرخ في 07/12/1970 ملف عدد 12784-68 أن المادة 637 من المدونة العامة للضرائب الفرنسية لا تلزم “…الإدارة بتعليل قرارها ما دامت أنها التزمت بدفع الثمن المزاد في قيمته، وأنها لا تسمح للمشتري المنزوعة أملاكه بإثبات أن الثمن المتفق عليه بين الأطراف يطابق القيمة التجارية الحقيقية للملك”.
وتأسيسا على ذلك، فقد مارست الإدارة الضريبية حق الشفعة لفائدة الدولة ضد المشترين الذين ليس فقط كان الثمن المتفق عليه في العقد حقيقيا وصادقا وإنما أيضا ضد المشترين الذين ثبت بحكم قضائي قطعي أن الثمن المصرح به كان مطابقا للقيمة التجارية الحقيقية للملك وقت التفويت.
وهكذا، فعندما طعن أحد المشترين المنزوعة أملاكه في قرار محكمة الاستئناف الذي قضى برفض دعوى مسؤولية الموثق عن الإخلال بواجب النصح المتمثل في عدم تنبيه المشتري إلى خطر ممارسة الإدارة لحق الشفعة لفائدة الدولة في مواجهته، أيدت محكمة النقض الفرنسية القرار المستأنف الذي أشار في حيثياته إلى أنه لا توجد أي قاعدة أو عرف يفرض على الموثق أن يلفت على نحو منهجي انتباه الأطراف إلى إمكانية ممارسة الدولة لحق الشفعة المنصوص عليه في المادة L18 من كتاب المساطر الجبائية ؛ وأنه أيضا لا يوجد في هذه النازلة أي سبب يدفع إلى الاعتقاد بأنه كان من المفترض أن يسترعي انتباه الموثق نقصان ثمن ظاهر، وأن المقارنة مع ظروف بيع العقارات الأخرى لا تأتي بأي عنصر دال على نقصان الثمن المصرح به، وأن الزوجين بوديفيت أدليا للمحكمة بوثيقة ترمي إلى إثبات أن العقار محل النزاع ظل طيلة ستة أشهر معروضا للبيع بثمن 170.000 فرنك فرنسي دون احتساب الضريبة دون أن يجد أي مشتر، وأن الزوجين بوديفيت نفسهما وجدا أن الثمن جد مرتفع ولم يقبلا في الأخير بدفع سوى 135.000 فرنك فرنسي دون احتساب الضريبة، وهو الثمن الذي قبل به البائع؛ وأن ثمن 181.000 فرنك فرنسي الذي بيع به العقار بواسطة المزاد العلني في سنة 1986 يؤكد أن ثمن 135.000 فرنك فرنسي دون احتساب الضريبة المنصوص عليه في العقد المؤرخ في 20/12/1979 لم يكن يقل عن القيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت.
وهذا يعني أن مقرر الشفعة أصبح محصنا ضد كل طعن قضائي فعال، ما دام أن القضاء يسلم بأن تقدير القيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت يعود إلى السلطة التقديرية للإدارة الضريبية التي لا رقابة للقضاء عليها حتى وإن كان هذا الأخير يتوفر على جميع المعطيات التي تجعله مقتنعا بأن الثمن المصرح به مطابق للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت.
الفقرة الثانية: نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة في المغرب
قبل دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ، لم يتسن للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى النظر في المنازعة في قانونية مقرر الشفعة سوى في مناسبتين، يتعلق الأمر بقضية صالح الحسوني و قضية محمد ناصر الدفوف .
وبالنظر إلى أن القضية الثانية انتهت بالإشهاد على تنازل السيد محمد ناصر الدفوف عن طلب الإلغاء، فإننا لا نتوفر سوى على قرار واحد صادر عن المجلس الأعلى يمكن أن نستشف منه كيف كان نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة خلال هذه المرحلة.
وهكذا، ففي قضية السيد صالح الحسوني ضد مديرية الضرائب، تمسك الطاعن بأن”…القرار المطلوب إلغاؤه صدر اعتمادا على تقرير قابض التسجيل ببني ملال ومحضر لجنة الخبرة المحلية التي لاحظت عدم كفاية ثمن الشراء حسب ما جاء في القرار وأن أية خبرة لا يمكن أن تكون لها أية قيمة قانونية إلا إذا كانت حضورية وتضمنت أقوال وملاحظات سائر الأطراف ثم بلغت إلى المعني بالأمر بصفة قانونية وأنه لا يوجد ما يفيد أن صالح الحسوني بلغ من قبل وفي الوقت المناسب بيوم و ساعة إجراء الخبرة، وأنه تمكن من الحضور فيها وسمعت منه أقواله وبلغت إليه النتيجة التي أسفرت عنها الخبرة والتقدير المقدم سواء من طرف اللجنة المحلية أو القابض وأن هذا التصرف مس بحقوقه،…”.
وقد ردت الإدارة على هذه الوسيلة بقولها : “…إن الخبرة ليست بضرورية لأن الفصل 32 المذكور لا ينص على إجراء أية خبرة كيفما كان نوعها…”.
وقد أيد المجلس الأعلى موقف الإدارة في الحيثية التالية : “حيث إن الخبرة التي قامت بها إدارة التسجيل في نطاق مقتضيات الفصل 32 تشكل إجراء داخليا يلتجئ إليه قابض التسجيل إذ يرجع له وحده في نطاق الفصل 32 أن يقدر هل مبلغ ثمن البيع المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة غير كاف. ولهذا فليس من الواجب على الإدارة أن تستدعي المعني بالأمر للحضور وقت إجراء الخبرة المذكورة”.
وهكذا، اعتبر المجلس الأعلى أن قابض التسجيل وحده من يرجع له تقدير كفاية ثمن البيع المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة من عدمه، بحيث تصبح تقديرات قابض التسجيل لثمن التملك مهما كانت متعسفة محصنة ضد أي رقابة قضائية، ما دام أن القاضي لم يكتف فقط باعتبار الخبرة إجراء داخليا، وإنما لم يكلف نفسه أيضا مشقة التحقق من واقعة نقصان الثمن التي يدعيها قابض التسجيل، و إنما سلم بها على الرغم من منازعة المنزوعة أملاكه فيها، الأمر الذي حرم هذا الأخير من حقه في الدعوى العادلة في هذه النازلة، و الأمر الذي يدفع المهددين بنزع ملكيتهم بموجب مسطرة حق الشفعة لفائدة الدولة إلى صرف النظر عن ممارسة حقهم في الدعوى و قبول دفع واجبات التسجيل التكميلية و الغرامات و فوائد التأخير مهما كانت ظالمة، لتفادي فقدان أملاكهم نتيجة لممارسة الدولة لحقها في الشفعة في مواجهتهم.
الفرع الثاني: مرحلة ما بعد دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ
سندرس نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة لفائدة الدولة بعد دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ في فرنسا(الفقرة الأولى)، ثم في المغرب(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة في فرنسا
أيدت الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية طلب إلغاء مقرر الشفعة المؤسس على مخالفته لمقتضيات قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية بموجب ثلاث قرارات مؤرخة في 16/06/1987(أولا).
وفي نفس التاريخ، صدر قرار عن نفس الغرفة قضى برفض طلب إلغاء مقرر الشفعة المؤسس على مخالفته لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تقر مبدأ الحق في الدعوى العادلة(ثانيا).
أولا ـ في حالة الاستناد على قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية:
منذ 16/06/1987، تراجعت محكمة النقض الفرنسية صراحة عن موقفها القديم الذي كان يرتكز على ما للإدارة الضريبية من سلطة تقديرية في مجال ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة للقول بعدم إجبارية تعليل مقرر الشفعة وعدم خضوع تقدير الإدارة لنقصان الثمن المصرح به لأي رقابة قضائية.
فمنذ ذلك التاريخ، اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن مقرر الشفعة يدخل في نطاق تطبيق مقتضيات المادة الأولى من القانون المؤرخ في 11/07/1979 المتعلق بإجبارية تعليل القرارات الإدارية، التي تنص على ما يلي:
“يستفيد من التعليل الوجوبي كل شخص طبيعي أو معنوي، و في هذا الشأن يتعين تعليل القرارات التي تهم:
أ ـ ….؛
ب ـ القرارات التي تتضمن جزاء؛
….”.
وهكذا، نقرأ في حيثيات قرار الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية المؤرخ في 16/06/1987 ملف عدد 13830 ـ 86 ما يلي:
“حيث إن قرار ممارسة حق الشفعة المنصوص عليه في المادة 668 من المدونة العامة للضرائب في حالة التقدير الناقص لقيمة الملك يشكل جزاء ضريبيا ماسا بحق ملكية المشتري المنزوع ملكه، و باعتباره كذلك فهو يدخل في نطاق تطبيق مقتضيات قانون 11 يوليوز 1979 المتعلق بتعليل القرارات الإدارية” .
وعليه، أكدت الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية بأن تعليل قرار ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة يجب أن يكون كتابة وأن يتضمن بيان الأسباب القانونية والواقعية التي يرتكز عليها، وخلصت إلى القول بأن التعليل الذي يكتفي بالإشارة إلى أنه يبدو للإدارة أن ثمة”نقصان في ثمن البيع المصرح به” يعتبر معيبا، لكونه جد مختصر وجد عام في حين أن الإدارة ملزمة بتحديد عناصر المقارنة التي استندت عليها للقول بنقصان ثمن البيع المصرح به حتى تمكن المشتري المنزوعة أملاكه من المنازعة في هذا التقدير وإثبات أن ثمن البيع المصرح به مطابق للقيمة التجارية الحقيقية للعقار.
ثانياـ في حالة الاستناد إلى الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية:
رفضت الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية بموجب قرارها المؤرخ في 16/06/1987 ملف عدد 13990 ـ 85 طلبا يرمي إلى التصريح ببطلان مقرر الشفعة لمخالفته لمقتضيات المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية المتعلقة بالحق في الدعوى العادلة، وذلك بعد دخول قانون 11 يوليوز 1979 المتعلق بتعليل القرارات الإدارية حيز النفاذ.
ولكي نفهم هذا الحل الذي انتهت إليه محكمة النقض الفرنسية في قضية هنتريش يجب أن نضع أمام أعيننا أمرين أساسيين:
أولا ـ لا تعتبر الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية الوسيلة المستمدة من مخالفة مقرر الشفعة لمقتضيات المادة الأولى من قانون تعليل القرارات الإدارية من النظام العام. وبالتالي، فهي تمتنع عن إثارة هذه الوسيلة تلقائيا، و عليه، لو كانت الطاعنة قد استندت في هذه النازلة على المادة الأولى من القانون المتعلق بإجبارية تعليل القرارات الإدارية لاستجابت لها محكمة النقض الفرنسية، على غرار ما حصل في القضايا المماثلة التي بتت فيها في نفس اليوم ، لكن الذي حصل هو أن هنتريش لم تؤسس طلبها الرامي إلى التصريح ببطلان قرار الشفعة على مقتضيات المادة الأولى من قانون تعليل القرارات الإدارية، و إنما أسسته على الفقرة الأولى من المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وقد أجابت محكمة النقض الفرنسية على الوسيلة المستمدة من مخالفة قرار الشفعة لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية بأن المنازعة في قرار الشفعة يدخل في نطاق المنازعة الضريبية التي تخرج عن نطاق تطبيق الفقرة الأولى من المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية حسب ما استقر عليه اجتهاد المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان الذي لا يطبق المادة السادسة المومأ إليها أعلاه إلا على المنازعتين المدنية والجنائية فقط.
غير أنه عندما تصدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان للنظر في الدعوى التي أقامتها هنتريش ضد فرنسا، بعد استنفاذها لجميع طرق الطعن في فرنسا، انتهت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان إلى أنه إذا كانت المنازعة الضريبية بمفهومها الدقيق 😊 الطلب الرامي إلى إسقاط أو تخفيض الضريبة) لا تندرج في نطاق تطبيق المادة السادسة المومأ إليها أعلاه، فإن المنازعة في قانونية قرار الشفعة خلافا للمنازعة في قانونية الضريبة تندرج بامتياز في نطاق تطبيق المادة المذكورة أعلاه .
وهكذا، نخلص إلى أن دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ، واعتبار القضاء الفرنسي أن مقرر الشفعة يدخل ضمن نطاق تطبيق أحكامه، وإلغاء القضاء الفرنسي لمقرر الشفعة لانعدام التعليل الكافي في أكثر من نازلة، لم يكن كافيا للحيلولة دون إدانة فرنسا بانتهاك الحق في الدعوى العادلة في نازلة هنتريش، وذلك بسبب اعتبار محكمة النقض الفرنسية أن نطاق تطبيق المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية لا يشمل المنازعة في قانونية مقرر الشفعة من ناحية، وبالنظر إلى سلبية القاضي الذي لا يكلف نفسه مشقة التحقق من واقعة نقصان الثمن من ناحية أخرى.
الفقرة الثانية: نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة في المغرب
قبل دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ، لم يكن يوجد أي نص قانوني يشير إلى ضرورة تعليل مقرر الشفعة، بينما استقر الاجتهاد القضائي على مبدأ عدم إجبارية تعليل المقررات الإدارية في غياب نص قانوني يقضي بخلاف ذلك، فالمشرع والقاضي لم يكلفا الإدارة مشقة إقناع المفوت له بنقصان ثمن التملك المصرح به من خلال الكشف له عن نقط المقارنة المتوفرة لديها، وعليه، تكتفي الإدارة عمليا بتخيير الملزم بين دفع الواجبات المفروضة بناء على ثمن التملك المقترح من قبلها مهما كان باهظا ومجحفا وبين ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة، ولا يكون أمام الملزم سوى دفع الواجبات المفروضة بناء على الثمن المقترح من قبل الإدارة أو اللجوء إلى القضاء للمنازعة في قانونية قرار الشفعة المتخذ ضده.
غير أنه ابتداء من شهر مارس 2003 تاريخ دخول القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، يمكن أن يتطور اجتهاد القضاء المغربي في اتجاه إلزام الإدارة الضريبية بتعليل مقرر الشفعة لفائدة الدولة استنادا إلى البند ج من المادة الثانية من القانون المذكور الذي يلزم الإدارات العمومية بتعليل “ج ـ القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية”.
وهذا، يفترض من ناحية، أن يقر القضاء المغربي على غرار نظيره الفرنسي بأن قرار ممارسة حق الشفعة يعتبر من القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية، وأن يشترط في تعليل مقرر الشفعة أن يكون محددا وكافيا من ناحية ثانية.
وتجدر الإشارة إلى أنه بعد دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ في مارس 2003، لم تتح للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ولا لأي من محكمتي الاستئناف الإداريتين فرصة البت في طلب إلغاء مقرر الشفعة لفائدة الدولة، وأن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء والمحكمة الإدارية بوجدة وحدهما اللتان أتيحت لهما فرصة النظر في طلب إلغاء مقرر الشفعة.
وبالنظر إلى أن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء صرحت بموجب حكم مستقل بانعقاد الاختصاص النوعي لها للبت في طلب إلغاء قرار الشفعة لفائدة الدولة، غير أنه لم يتأت لها إصدار حكم في موضوع النازلة المعروضة عليها حتى تاريخ كتابة هذه السطور ، فإننا لا نتوفر سوى على حكم واحد صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة يمكن أن نستشف منه كيف أصبح نطاق الرقابة القضائية على مقرر الشفعة خلال هذه المرحلة.
الصفحات 13 و 14 و
“وحيث إنه فيما يخص الوسيلة الثانية المستمدة من الانحراف في استعمال السلطة، والتي أوضحتها الطاعنة في كون الإدارة الجبائية قد بالغت في تقدير القيمة التجارية للعقار موضوع قرار الشفعة، ولم تدل بأي عقود للمقارنة فضلا عن أن الدولة الملك الخاص قد فوتت عقارات في ملكيتها للغير بأثمنة تقل بكثير عن القيمة المحددة للعقار المذكور وتمسكت بأن القضاء الإداري تبقى له السلطة الكاملة لمراقبة السلطة التقديرية للإدارة في هذا الشأن…
وحيث إنه بخصوص الشق الأول من الوسيلة المستمد من مبالغة الإدارة في تقدير القيمة التجارية للعقار موضوع قرار الشفعة، ومدى سلطة القضاء الإداري في مراقبتها بهذا الشأن، فإنه بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 143 من المدونة العامة للضرائب، يتضح بأن المشرع قد خول للإدارة الجبائية ممارسة هذا الحق، إذا بدا لوزير المالية أو الشخص المفوض إليه بذلك أن ثمن البيع المصرح به أو التصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت، مما يعني أن أمر تقدير القيمة التجارية الحقيقية يبقى أمرا موكولا للإدارة، ولم يقيده المشرع بأي شروط معينة، كما لم يعط للقضاء الإداري أي رقابة على سلطتها التقديرية في هذا الشأن عكس ما هو عليه الحال في مسطرة التصحيح و المراجعة، وبالتالي، فإن حق الإدارة بهذا الصدد يبقى مطلقا كلما بدا لها أن ثمن البيع المصرح به أو التصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقار محل التفويت، ويبقى القيد الوحيد هو ضرورة التقيد بالأجل المحدد في المادة 218 من مدونة الضرائب، وكذا التقيد بالمسطرة المحددة لممارسة حق الشفعة.
وحيث إنه تبعا لذلك، فإن ما تمسكت به الطاعنة بخصوص المبالغة في التقدير من جانب الإدارة الجبائية يبقى أمرا مردودا، وبذلك فلا مجال لمناقشة مدى اعتماد الإدارة على عقود مقارنة لتقدير القيمة التجارية للعقار، كما أنه لا مجال لمناقشة العقود المستدل بها من طرف الطاعنة للتشكيك في القيمة المحددة من طرف الإدارة للعقار محل التفويت، طالما أن المحكمة كما سلف بيانه لا تملك صلاحية مراقبتها بخصوص التقدير المعتمد وإنما رقابتها تنصرف فقط إلى مدى تقيدها بالمسطرة الواجب سلوكها لممارسة حق الشفعة، و هو الأمر الذي لم يكن أصلا محل منازعة من طرف الطاعنة…”.
تذكرنا حيثيات هذا الحكم الذي صدر بعد دخول قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ بما كان قد سار عليه عمل القضاء في المغرب و فرنسا قبل إحداث قانون إجبارية تعليل القرارات الإدارية. فهي تقترب إلى حد بعيد من موقف الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية صالح الحسوني عندما قضت بأنه يرجع لقابض التسجيل”…وحده في نطاق الفصل 32 أن يقدر هل مبلغ ثمن البيع المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة غير كاف”. وكذا بحيثيات قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ في 07/12/1970 ملف عدد 12784-68 التي أكدت فيها أن المادة 637 من المدونة العامة للضرائب الفرنسية لا تلزم “…الإدارة بتعليل قرارها ما دامت أنها التزمت بدفع الثمن المزاد في قيمته، وأنها لا تسمح للمشتري المنزوعة أملاكه بإثبات أن الثمن المتفق عليه بين الأطراف يطابق القيمة التجارية الحقيقية للملك”.
صحيح أن دفاع الشركة المنزوعة أملاكها لم يثر في هذه النازلة الوسيلة المستمدة من عيب الشكل المتمثل في عدم تسبيب قرار الشفعة لفائدة الدولة بالمخالفة لمقتضيات البند ج من المادة الثانية من القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية الذي يلزم الإدارات العمومية بتعليل “ج ـ القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية”.
وصحيح أيضا أنه لو أثار المنزوعة أملاكه هذه الوسيلة لاضطرت المحكمة للتحقق مما إذا كان قرار الشفعة لفائدة الدولة يشكل جزاءا إداريا ـ بمفهوم البند ج من المادة الثانية من القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية ـ تطبقه الإدارة الضريبية في حالة نقصان القيمة التجارية للعقار المصرح بها من قبل المنزوعة أملاكه لكونه يمس بحق ملكية المشتري المنزوعة أملاكه. وفي هذه الحال، كان من الممكن أن تنتهي المحكمة الإدارية بوجدة على غرار ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض الفرنسية إلى أن قرار الشفعة لفائدة الدولة يدخل في نطاق تطبيق مقتضيات القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية.
وصحيح أيضا أن المحكمة الإدارية بوجدة كانت ـ بعد التصريح بأن قرار الشفعة لفائدة الدولة يدخل في نطاق تطبيق مقتضيات القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية ـ ستضطر لمعاينة كون قرار الشفعة لفائدة الدولة في النازلة المعروضة عليها لا يشير مطلقا إلى الأسباب الواقعية التي أسست عليها الإدارة قناعتها بكون الثمن المصرح به يقل عن القيمة التجارية الحقيقية للعقار، أي أنه لا يورد عناصر المقارنة التي استدلت بها الإدارة على نقصان الثمن المصرح به. وبالتالي، ستخلص إلى القول بأن قرار الشفعة الذي بني على أسباب عامة أو غامضة أو مجهلة يعد قرارا خاليا من الأسباب، وبالتالي، جديرا بالإلغاء لكونه مشوبا بعيب الشكل المتمثل في انعدام التعليل.
غير أن دفاع المنزوعة أملاكه إذا كان قد أغفل إثارة عيب الشكل المتمثل في انعدام التعليل الذي يشكل وجها من أوجه الطعن بانعدام الشرعية الخارجية للقرار الإداري، فإنه في المقابل، تمسك على نحو لا لبس فيه بعيب السبب الذي يشكل وجها من أوجه الطعن بانعدام الشرعية الداخلية للقرار الإداري، عندما تشبث بأن المشرع ألزم الإدارة بأن لا تبني قرار الشفعة لفائدة الدولة إلا على سبب نقصان الثمن المصرح به عن القيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت، وأن الإدارة لم تدل بعناصر المقارنة التي استدلت بها على نقصان الثمن المصرح به و أدلى في المقابل بعناصر المقارنة التي تفند مزاعم الإدارة بشأن نقصان الثمن المصرح به، مؤكدا أنه لا يوجد ما يمنع القاضي الإداري إعمال رقابته و التحقق من ثبوت أو عدم ثبوت واقعة نقصان الثمن المصرح به في النازلة المعروضة أمامه.
وسبب القرار هو الحالة الواقعية التي سبقت هذا القرار ودفعت الإدارة إلى إصداره. والقانون قد يقيد من سلطة الإدارة في اختيار الأسباب فيلزمها بأن لا تبني قرارا معينا إلا على أسباب معينة، وفي هذه الحالة، يجب التحقق من وجودها. وقد يطلق لها الحرية في اختيار الأسباب التي تبني عليها قرارها، فهي حرة إذن في اختيار سبب قرارها ولها في ذلك سلطة تقديرية. وإذا توافر لديها هذا السبب أو ذاك فإنها مع ذلك حرة في أن تصدر قرارها أو لا تصدره، فهذه هي السلطة التقديرية. ولكن السلطة التقديرية لا تعني السلطة المطلقة، فإذا اختارت الإدارة أن تتصرف في اتجاه معين، واختارت لقرارها سببا ما، فإن هذا السبب يجب أن يكون صحيحا. ويجب على قاضي تجاوز السلطة أن يتحقق من الوجود المادي للسبب و من التكييف القانوني الذي أعطته له الإدارة. و لا جناح عليه إن فعل ذلك فهو حتى في هذا المسلك يحترم السلطة التقديرية للإدارة في اختيار أسباب قرارها، وفي التصرف أو عدم التصرف عند وجود هذه الأسباب. وكل ما في الأمر أن الإدارة إذا اختارت أن تتصرف فإن قرارها يجب أن يستند على سبب صحيح .
ولما كان المشرع المغربي قد قيد من سلطة الإدارة في اختيار أسباب اتخاذ قرار الشفعة لفائدة الدولة، فألزمها بألا تبني قرارها إلا على نقصان الثمن المصرح به عن القيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت، فقد كان على المحكمة الإدارية بوجدة أن تتحقق من وجود واقعة نقصان الثمن المصرح به المزعومة من قبل الإدارة، حتى يتسنى لها التحقق من كون القرار محل النزاع يستند أو لا يستند على سبب صحيح، ما دام أن المادة 20 من قانون المحاكم الإدارية تنص صراحة على أن “كل قرار إداري…لانعدام التعليل(المقصود لانعدام السبب) يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة”.
فحتى على فرض استقرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى على عدم إجبارية تعليل مقرر الشفعة تعليلا كافيا وعلى عدم إلزام الإدارة بتضمين عناصر المقارنة المعتمدة من قبلها للقول بنقصان الثمن في صلبه، أو على أن مقرر الشفعة لا يعد عقوبة إدارية بمفهوم البند ج من المادة الثانية من القانون المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية وبالتالي، فهو لا يدخل ضمن نطاق تطبيق قانون إجبارية تعليل المقررات الإدارية، فإن مقتضيات الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من العهد الخاص للحقوق المدنية و السياسية التي تكرس الحق في الدعوى العدالة، تلزم القاضي بمنح كل طرف إمكانية معقولة لعرض قضيته في ظل شروط لا تجعله في وضع يحرم فيه من بعض حقوقه على نحو واضح بالمقارنة مع خصم. وبالتالي، فهي إن لم تكن تلزم القاضي بإجبار الإدارة على تعليل مقرر الشفعة و لا حتى على الإفصاح عن عناصر المقارنة التي أسست عليها قناعتها بوجود نقصان في الثمن المصرح به أثناء سير الدعوى، فهي في المقابل تلزم القاضي بأن يحقق في مزاعم نقصان ثمن البيع المصرح به بناء على طلب المنزوعة أملاكه، و أن يسمح لهذا الأخير بإثبات أن الثمن المتفق عليه بين الأطراف يطابق القيمة التجارية الحقيقية للملك وقت التفويت، ذلك أن تحصين تقدير الإدارة للقيمة التجارية للعقار وقت التفويت ضد كل رقابة قضائية يؤدي بالضرورة إلى حرمان الطاعن من كل إمكانية لتقديم منازعة معقولة في تقديرات الإدارة الضريبية المتعلقة بنقصان الثمن، ويشكل بالتالي انتهاكا صارخا للحق في الدعوى العادلة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي جميع الأحوال، يتعين أن ننتظر إلى حين الفصل النهائي في النازلتين المعروضتين حاليا على كل من المحكمة الإدارية بالبيضاء و المحكمة الإدارية بوجدة لمعرفة مدى التزام القضاء المغربي بضمان الحق في الدعوى العادلة عندما يتعلق الأمر بطلب إلغاء مقرر الشفعة لفائدة الدولة.
وفي الأخير تظهر الممارسة أن جميع مقررات الشفعة التي صدرت سواء قبل أو بعد دخول قانون تعليل المقررات الإدارية حيز النفاذ، تكتفي بالإدعاء بأن ثمن الشراء المصرح به يقل عن القيمة التجارية الحقيقية للملك، دون الإشارة إلى عناصر المقارنة التي تم الاستناد عليها للاستدلال على نقصان الثمن المصرح به.
لذلك نعتقد أنه بالنظر إلى خطورة النتائج المترتبة على قرار ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة، ندعو المشرع المغربي للتدخل بموجب نص يضمن في صلب المادتين 143 و 218 من المدونة العامة للضرائب يؤكد صراحة على إجبارية تعليل قرار ممارسة حق الشفعة من خلال بيان عناصر المقارنة التي استندت إليها الإدارة حتى يتمكن المشتري المنزوعة أملاكه من مناقشتها وهو على بينة من الأمر وذلك تحت طائلة بطلان قرار الشفعة، بل أكثر من ذلك، ندعو المشرع المغربي إلى أن يحرص على ضمان علم المشتري بعناصر المقارنة التي بحوزة الإدارة والتي أسست عليها قناعتها بنقصان الثمن المصرح به قبل اتخاذ قرار الشفعة، وذلك من خلال تضمينه في صلب الاستدعاء الموجه إلى المشتري قصد إقناعه بأداء الواجبات الإضافية بالمراضاة حتى يتمكن هذا الأخير من اتخاذ قرار قبول أو رفض أداء هذه الواجبات وهو على بينة من الأمر.
و في نفس السياق، ندعو المشرع إلى مراجعة مقتضيات البند VI من المادة 218 من المدونة العامة للضرائب الذي ينص على ما يلي :
“VIـ إن العقارات الصادر بشأنها مقرر للشفعة لا يمكن بيعها من جديد إلا عن طريق المزاد العلني بالرغم من جميع المقتضيات المنافية”.
ذلك أن هذا النص لا يحدد أي أجل للإدارة لإجراء المزاد العلني. وتبين التجربة الفرنسية في هذا المجال أن عدم تحديد أي أجل لإجراء المزاد العلني، يمكن الإدارة الضريبية من تأجيل إجراء المزاد العلني لعدة سنوات إلى حين ارتفاع ثمن الملك، الشيء الذي يمكنها من تفادي افتضاح واقعة أن الثمن المتفق عليه في عقد البيع لم يكن يشوبه أي نقصان، وأنه كان مطابقا للقيمة التجارية الحقيقية للعقار وقت التفويت. ومثل هذه الممارسات لم تفت على محكمة النقض الفرنسية التي عاينتها بوضوح في قرارها المؤرخ في 13/11/1991 ملف عدد 16697-88 الذي سبقت الإشارة إليه أعلاه.
وبالنتيجة، فإن عدم تحديد أجل معقول لإجراء المزاد العلني، لا يحول فقط دون إمكانية التحقق من كون ثمن التملك المصرح به كان مطابقا للقيمة التجارية للعقار وقت تفويته، وإنما يحول الإدارة إلى ممارسة نشاط المضاربات العقارية أيضا.
و في الختام، نخلص إلى القول بأن المفوت إليه المنزوعة أملاكه يتحمل، باعتباره ضحية منتقاة لممارسة حق الشفعة، عبئا خاصا غير مألوف من ناحية، ولا يتمتع حتى تاريخ كتابة هذه السطور بإمكانية المنازعة المجدية في الإجراء المتخذ ضده من ناحية أخرى. وبالتالي، فإن حق الشفعة المقرر لفائدة الدولة يخل ب”التوازن العادل الذي يجب أن يسود بين حماية حق الملكية وبين متطلبات المصلحة العامة”، وكذا الحق الطبيعي لكل متضرر في اللجوء إلى القضاء واقتضاء حقه في إطار دعوى عادلة لا تجعله في وضعية يتعذر معها الدفاع عن حقوقه.
عن صفحة Droit civil على الفيس بوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
22 + 2 =


0
    0
    سلة المشتريات